محمد حسين الذهبي
383
التفسير والمفسرون
من صلاحية القدرة لمثل ما جاء في الآيات التي أشرنا إليها ، غاية الأمر ، إن كيفية أخذ اللّه ذرية بني آدم من ظهورهم ، ومخاطبته لتلك الذرية ، وكيفية عرض الأمانة على ما ذكر من السماوات والأرض والجبال وإبائها عن حملها ، أمر لا نستطيع أن نخوض فيه ، بل يجب علينا أن نفوض علمه وحقيقته إلى اللّه سبحانه . وسيأتي الكلام عن هذه الناحية بالذات بما هو أوسع من هذا ، عند الكلام على الكشاف للزمخشري ، فإنه صاحب اليد الطولى في هذه الناحية ، وخير من أفاض فيها وأجاد . تفسيرهم للقرآن على ضوء ما أنكروه من الحقائق الدينية : وكذلك نجد المعتزلة قد وقفوا تجاه بعض الحقائق الدينية الثابتة عند جمهور أهل السنة موقف المعارضة والكفاح ، فأهل السنة يقولون بحقيقة السحر ، ويعترفون بما له من تأثير في المسحور ، ويقولون بوجود الجن ، ويعترفون بما لهم من قوة التأثير في الإنسان حتى ينشأ عن ذلك المس والصرع ، ويقولون بكرامات الأولياء . . . وما إلى ذلك ، ولكن المعتزلة الذين ربطوا التفسير بما شرطوه من جعل العقل مقياسا للحقائق الدينية وقفوا ضد هذا كله وجعلوه من قبيل الخرافات ، والتصورات المخالفة لطبيعة الأشياء ، وكان من وراء ذلك أن تمرد المعتزلة - في حرية مطلقة من كل قيد - على الاعتقاد بالسحر والسحرة ، وما يدور حول ذلك ، وبلغ بهم الأمر أن أنكروا أو تأولوا ما صح من الأحاديث التي تصرح بأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد سحر « 1 » ، ولم يقفوا طويلا أمام ما يعارضهم من سورة الفلق ، بل تخلصوا بتأويلات ثلاث ذكرها الزمخشري في كشافه ج 2 ص 568 .
--> ( 1 ) ينكر بعض أهل السنة أن رسول اللّه عليه وسلّم قد سحر ، زعما منهم أن ذلك مما يقدح في صحة نبوته ، وأنكروا ما صح من الأحاديث في ذلك أو تأولوها ،